Home

اللعبة واللاعب

 
عصام الجردي

لم تحجب التطورات الأمنية والسياسية الأخيرة في لبنان اهتمام المسؤولين في مشروع قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص . المشروع غير مسبوق في طبيعته . أهميته تكمن في أنه سيتيح للقطاع الخاص المشاركة في ملكية مؤسسات حيوية عائدة للقطاع العام، وصلت خدماتها كماً ونوعاً إلى حال متردية جداً، تثقل على المواطن مالياً ومعنوياً، وتمثل اختناقات في وجه النمو الاقتصادي وتستنزف المالية العامة . القطاعات المطروحة للشراكة مع القطاع الخاص تكاد تشمل كل البنية التحتية من كهرباء ومياه ونقل بأنواعه إلى الطرق والمدارس والمستشفيات والصرف الصحي وغيرها .


 

في ظروف سياسية بالغة التعقيد، فالمشروع لن يمر بسهولة في كل الأحوال . البعض يعتبره “بروفه” مقنعة لبيع القطاع العام . البعض الآخر الذي يجهر بالاستخصاص أو “الخصخصة”، (المفردة المعتدى بها على اللغة العربية ولا مصدر اشتقاق لها) يرد بأن مشروع القانون حدد صراحة 35 عاماً حداً أقصى مدة العقد لكل مشروع مع القطاع الخاص . وبالتالي فسيعود المرفق إلى كنف القطاع العام بعد انتهاء العقد .


 

تستدعي خلفية مشروع القانون ملاحظات لا بد منها، وفي أول هذه الملاحظات أن كل الأصول العامة المطروحة بموجب المشروع للشراكة مع القطاع الخاص تفتح شهية المستثمرين بالنظر لعائدات الاستثمار والأرباح لقاء إنتاج وبيع خدمات حيوية أساسية .


 

ثانيا: أن الدولة الهشة والضعيفة، غير مؤهلة في المبدأ للشراكة مع قطاع خاص يبسط نفوذه على القرار السياسي والمؤسسات الدستورية . والدولة الضعيفة غير مؤهلة لبيع أصول عامة قوية .


 

ثالثا: مع ذلك، لو استطلعت آراء الشعب اللبناني في هذه اللحظة، حيال موقفه من الشراكة أو البيع على السواء، لجاءت النتيجة: هاتوا لنا الكهرباء والماء والطرق والخدمات على أنواعها من الشيطان، ولا يهمنا أكانت من الدولة أم من القطاع الخاص .


 

رابعا: الاستخصاص في لبنان أو الشراكة، لا يخضع تقييمهما لمعايير المفاضلة مع بقاء الخدمات الحيوية في يد الدولة أم في أيدي القطاع الخاص، بمقدار ما يعنيان تحرير قطاعات واسعة ومجزية في القطاع العام من أيدي السياسيين الفاسدين، الذين يتحملون مسؤولية تحويل مؤسسات رابحة بالضرورة إلى مؤسسات خاسرة تكاد تفلس الخزانة العامة . ومع ذلك فالخدمات غير متوافرة للناس .


 

خامساً: إن أسوأ المشاريع بيعاً أو شراء أو شراكة، هي تلك التي توكل إلى إدارة فاسدة إلى حد التهتك وأسوأ قرارات البيع والشراء والشراكة، هي التي تتخذ تحت الضغط، وفي ظروف طارئة تسوغها حاجات الناس الملحة . وفي ظروف الاستثناء باع الفساد طويلة .


 

لا يحتاج تلزيم قطاعات البنية التحتية والخدمات للقطاع الخاص بشراكة مع القطاع العام أو من دونها إلى جهد للتسويق . وزارة المال رصدت في مشروع قانون موازنة 2010 نفقات استثمارية في حدود مليار و320 مليون دولار أمريكي تساوي نحو 60 .3 في المئة من الناتج المحلي، بزيادة نحو21 .148 في المئة عن 2009 . مع النفقات الملحوظة من خارج الموازنة يصل المبلغ إلى نحو مليارين و300 مليون دولار أمريكي في حدود 09 .6 في المئة من الناتج . ومعظم تلك الاعتمادات لتمويل عجز مؤسسة كهرباء لبنان ومجالات صحية واجتماعية . الدين العام تجاوز 51 مليار دولار أمريكي في حدود 149 في المئة إلى الناتج المحلي . لا مجال أبداً لتجاوز المعيار الأخير بالإنفاق على مشاريع البنية التحتية . وفي الوقت نفسه، يستحيل بقاء الخدمات على ما هي من سوء، فكان مشروع قانون الشراكة مع القطاع الخاص .


 

إذا قدر لمشروع القانون أن يسلك طريقه إلى التنفيذ، فينتظر اللبنانيون فصلاً جديداً من فصول “مسرحية المصلحة العامة والحرص على المال العام”، يلعبها اللاعبون أنفسهم في حلف السلطة والمال . ولا يستبعد أبداً أن يستحضروا في سياق تقسيم المغانم القضايا القومية والاتهامات بالكبائر . اللعبة مستمرة، واللاعبون لم يسأموا، على ما عنون رئيس المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق مايلز كوبلاند أحد كتبه .


 

* صحافي وكاتب لبناني

 


This site was last updated 09/03/10