مــاذا بقــي مــن 14 آذار؟

ابراهيم الأمين
14 آذار، يوم الذكرى الذي يحتاج إليه لبنانيون كثر، لأنه مثّل لهؤلاء في لحظة ما، يوم الانتفاضة بوجه سياسات وتأثيرات متنوّعة. واعتقد معظم الذين نزلوا إلى الشارع والساحات عام 2005، أن هناك فرصة جدية لتنظيم لبنان بطريقة مختلفة. كانوا يأملون في ذلك التاريخ أنهم سينتقلون إلى واقع مختلف: بلاد ليس فيها وجود عسكري أو أمني أجنبي. بلاد لا يخضع الحكم فيها لوصاية أي طرف غير لبناني. بلاد تعاد صياغة نظام الحكم فيها بغير الوجهة الطائفية والمذهبية. بلاد، يتسنّى فيها لجيل جديد من الشباب والسياسيين والناشطين تولي مسؤولية يشغلها من أتعبهم لعقود طويلة. بلاد، تنطلق نحو دورة حياة اقتصادية واجتماعية يقل فيها الظلم والغبن. بلاد، يمكن أن تشهد مصالحة أهلية من النوع الذي يوفق بين حشود من السياديين الذين يريدون لبنان أن يكون غير خاضع لأحد.
لم يمض وقت طويل على ذلك التاريخ، أشهر قليلة تقارب الستة، حتى بدت الصورة الحقيقية للنافذين والقابضين على حركة الشارع. وهم جيل من السياسيين الذين تعوّدوا نمط الوصاية والتبعية. وخلال أيام قليلة، غادر أكثرية نشطاء هذه الحركة وقادتها، موقع التحالف والتعايش والتسليم لسوريا في لبنان، إلى موقع التعايش والتحالف والتسليم للسعودية والولايات المتحدة في لبنان.
جرت انتخابات احتفالية في تلك الفترة، وبدت الغالبية المسيحية في موقع مختلف عن مسار الذين قادوا 14 آذار لاحقاً، وبيّنت الانتخابات أن هناك أقلية جديّة عند الدروز والسنة لا تجد نفسها في موقع من قادوا 14 آذار، وأظهرت أن غالبية شيعية غير مسبوقة تعارض توجّه من قادوا 14 آذار لاحقاً.
ومع ذلك ظل القيّمون على الإدارة السياسية والتنفيذية لهذا الفريق يقولون إنهم الأغلبية، وظلوا يستخدموا الذين تجمّعوا في 14 آذار 2005 ومن بقوا في منازلهم، في إطار مقايضات سياسية داخلية وخارجية، وهو استخدام لم يتوقف إلى يومنا هذا.
الذين نزلوا يومها إلى الساحات وخاضوا معارك مفتوحة في أروقة العمل، وفي الجامعات والمدارس والأحياء والأزقة، وعلى طاولات المقاهي، وعبر شبكة الانترنت، غالبية هؤلاء لا يملكون اليوم جواباً عن الأسئلة الأساسية: ماذا بقي من انتفاضة 14 آذار؟ ماذا تحقق من أحلام في التغيير على كل صعيد؟ وماذا بقي من رصيد للصرف لاحقاً؟

لم يتوقف الأمر على سقوط الشعارات والتراجع عن المطالب بل حصل التمزّق الذي لا يبقي إلا الأحلام

ليس الانفعال وحده ما قاد هؤلاء إلى تلك الساحات والشوارع، ولا هو فقط الرغبة في التعبير عن آراء كانت مكتومة في الصدور، بل شعور بأن هذا الفعل له أثره الحقيقي في مكان ما. لم يشعر هؤلاء يومها بضرورة رهن التفويض بآليات وبرامج عمل، ولم يشعروا بأن الوقت قد حان لتغيير في القيادة والإدارة، آلياتٍ وأشخاصاً. وكثيرون منهم ظنوا أن بالإمكان الوصول إلى الأفضل لاحقاً، ولجأوا إلى طريقة السلطة المهترئة التي تدافع عن أولوياتها وترفض كل مطلب آخر، لأن «الظرف غير مناسب». لكن ما هو أكثر خطورة هو انطباق فعل الجريمة المتمادية على علاقة هذه المجموعات بأفعال من أطبقوا على قيادة 14 آذار لاحقاً، حيث ظلوا وقوداً لمعاركهم وقبلوا بدور جنود الاحتياط، ووافقوا على استدعائهم مرة كل عام لتجديد الولاء، مع بعض الخطب الرنّانة والشعارات الوهمية، ثم يكتشفون بعد أسابيع وحتى أيام، أنهم تعرّضوا للخديعة من جديد... وهذا وحده كان سبباً في تراجع الزخم وتراجع الحوافز على الاستمرار في السير خلف هؤلاء، حتى صار من المستبعد توقع تكرار المشهد نفسه بعد أقل من خمس سنوات.
بعد احتفال 14 شباط الماضي، لم يكن ممكناً للقابضين على فريق 14 آذار الإجابة عن الاسئلة التي تضج في روؤس المناصرين أو المؤيدين، وتطوع بعض المشاركين في الاحتفال لرفع شعار المعارضة الإيرانية «أين صوتي؟» لكن عكس الخيبة القائمة في نفوسهم إزاء عدم التزام قوى 14 آذار بما رفعوه من شعارات، وخاضوا على أساسه المعارك في القرى والمدن، وشعورهم بأن منطق التسويات التي لجأت إليها القوى البارزة في هذا الفريق إنما سارت عكس المسيرة التي انطلقت بمشاركة هؤلاء المواطنين، ثم لا يسع كل هذه الحشود إلا أن تبحث عن ضالتها في مكان آخر. وهي لن تكون قادرة على إيجاد ما ترغب فيه، وهو أمر يناقش يومياً في لقاءات وندوات وتجمعات، وخصوصاً أن ما بقي من الإطار القيادي لفريق 14 آذار لا يقل فقراً عما بقي من الإطار القاعدي، إذ ليس لدى الجمهور من يجيبه عن سبب ابتعاد وليد جنبلاط. ولماذا يمنع على هؤلاء انتقاده أو مساءلته، ولماذا تمتنع قيادات 14 آذار نفسها عن محاسبته؟ ثم لا يعرف هؤلاء ما حل بالمشاركة الكتائبية، ولماذا يصرّ سامي الجميّل على الذهاب بعيداً عن الفريق الذي تحوّل برأيه الى تحالف بين «تيار المستقبل والقوات اللبنانية وأعضاء الامانة العامة»، ويسأل بعضهم ولو بسخرية: لقد ابتعد نسيب لحود، ولم يعد كوادر اليسار الديموقراطي سوى شهود زور، بينما كارلوس إده، الوحيد أصلاً، لم يعد يجد مقعداً له بين هذا الجمع؟ وإذا ما اقترب البحث من القضايا الرئيسية التي تخصهم، كمواطنين تمنّوا في لحظة حالمة التخلص من الدولة الطائفية والمتخلفة، فهم يتحولون الى شتامين للجميع، وحتى لا يستغل فريق المعارضة احتجاجاتهم يشتمون الجميع في الفريقين.

■ ملاحظة
يبدو أن قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع وصبيانه، يهتمون الآن بجمع معلومات عن «النشرة الصحية» الخاصة بإبراهيم الأمين. متى ينام وكيف ينام، وأنه سكير لا يتوقف عن شرب الكحول، وأن لديهم أرشيفاً مصوّراً عن هذه الوقائع، إضافة الى أمور شخصية أخرى سيكشفون عنها في الوقت المناسب، علماً بأن موقع القوات الالكتروني كان قد نشر بعض هذه الأمور لساعات أمس قبل أن يسحبها لأسباب غير معلومة. اللطيف في الأمر، أنهم يقتربون بأسرع مما هو متوقع من لحظة الانتحار!