Home

من نبوءات بني إسرائيل

بقلم د. : صلاح الدين محمد (باحث في العلاقات الدولية) ..

دائماً ما يقوم الاحتلال الإسرائيلي بترويج نبوءات غاية في الغرابة، وكأنهم لا يزالون شعب اللَّه المختار، حيث كانت هذه هي البدعة الأولى التي من أجلها تم تسخير العجلة الإعلامية والعقائدية في العالم الغربي، وقد نجحت إلى أقصى حد في الإيقاع الدائم بين الشرق والغرب والعالم المسيحي والعالم الإسلامي ولا يزال الأمر قابلا للتصعيد حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

استطاعت إسرائيل فور قيامها أن تشغل العالم بقضاياها مع المسلمين، كما استطاعت الربط بين اليهودية والمسيحية في علاقة حميمة تمخضت عن استغلال المذهب المسيحي البروتستانتي كي يصبح يهودي الهوى بحيث يؤمن بأصوله اليهودية وأنه امتداد لها، وهذا المذهب البروتستانتي المسيحي أصبح يهودياً أكثر من اليهود أنفسهم وعنصرياً أشد منهم، وهذا التزاوج البروتستانتي اليهودي له مروجوه وخبراء تسويقه من رجال الدين المسيحي البروتستانتي أو ما يعرف اليوم باليمين المسيحي المتطرف، أو المحافظون الجدد، ورواده للأسف جلهم من زعماء الغرب آخرهم جورج بوش الابن الذي جعل من نفسه المخلص للعالم بأمر إلهي من شعوب وصف أبناءها بالإرهاب وإنه جاء لتخليص العالم من شرورهم!

كما ظهر من خلفهم رجال دين من اليمين المسيحي المتطرف أمثال جيمي سواجارت وبارسلي، وفولويل وغيرهم لديهم البراعة في تغيير دفة زعماء الغرب ومسح عقولهم وخاصة في موضوع الصراع العربي الإسرائيلي المزمن.

في العقيدة اليهودية واليمين المسيحي إيمان راسخ بأن المسيح لن يعود إلا ببناء الهيكل ولن يبنى الهيكل إلا على أنقاض المسجد الأقصى، ومن المفارقات الدرامية أن الهيكل يسمى عندهم قدس الأقداس، والقدس عندنا ينتسب إلى المسجد الأقصى تحديداً فهو الذي جعل هذه البقعة من الأرض وما حولها يسمى القدس. إذاً فالصراع على قدس واحد نحن نسميه الأقصى وهم يسمونه الهيكل!

المفارقات العقائدية هنا تلعب الدور الأخطر في الصراع، فالمسجد الأقصى في عقيدة المسلمين هو الوقف الإلهي لكل نبي ومن آمن معه من قومه، ونظراً لأن اليهود لا يؤمنون بمسيح تلا موسى أو برسول تلا المسيح، إذاً فمنهم من هم على قناعة أن الأقصى أقصاهم والمسجد مبني على أنقاض الهيكل، والمسلمون يعتقدون أن الهيكل كان ولايزال وقفاً لله وقام ببنائه النبي سليمان كمكان للعبادة له ولمن آمن معه. ونظراً لأن أنبياء الله ورسله كانوا مسلمين، فقد وقع إرث الهيكل للمسلمين كأصحاب آخر رسالة لخاتم الأنبياء.

 لذلك من أركان الإيمان عند المسلمين الإيمان برسل الله جميعاً دون تفريق، أي أن سليمان نبي من أنبياء المسلمين وكذلك موسى وعيسى عليهم وعلى نبينا السلام. كلهم أنبياء جاءوا بكتب مختلفة إلا أنها رسالة واحدة من إله واحد، إذاً علام الاختلاف؟

الاختلاف يكمن في أن اليهود أنكروا نبوءة عيسى عليه السلام، وبالتالي فنبوءة محمد مردودة من الأساس ولم يؤمنوا به، فهم على يقين أنهم أصحاب الرسالة وشعب اللَّه المختار، ومن تلاهم ما هم إلا أنبياء كاذبين، حاشاهم الله.

كما أن النصارى يؤمن بعضهم يقيناً أنهم ورثة اليهود والبعض الآخر يؤمن أن اليهود هم من قتلوا المسيح عليه السلام، وجمعيا باختلاف مذاهبهم أنكروا رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، لتدور رحى الصراع بين الطرفين بعد أن تحالف الطرف الثالث مع أحدهما دون الآخر.

إذاً يرتبط نزول المسيح باستعادة الهيكل - المسجد الأقصى- من أيدي مغتصبيه - المسلمين-، ولهذا فكل من اليهود والنصارى يهمه نزول المسيح ليخلصهم من غير المؤمنين، وفي هذا المضمار تدور المفاوضات تارة والحروب تارةً أخرى في المنطقة، كما يتم تهجير اليهود من بقاع العالم إلى أرض الميعاد، وهي فلسطين التي تسمى أيضاً محتلة في عقيدتهم كما هي محتلة في واقعنا.

وفي هذا السياق تحاول دائماً إسرائيل وأمريكا أصحاب العقائد المتصارعة مع المسلمين تحديداً إضعاف المسلمين وتحديداً العرب ومنعهم من امتلاك السلاح والقوة والعلم والمال لأن هذه عوامل بناء حضارات تخشاها كل من إسرائيل وأمريكا. فامتلاك المال والعلم والقوة يحدث خللاً في موازين القوى في المنطقة التي بلا شك تعطل المشروع الصهيوني لبناء الهيكل.

 إذاً، ما الفائدة من المفاوضات إذا كان هذا هو السيناريو القادم؟ المفاوضات بالنسبة لإسرائيل وأمريكا ما هي إلا أداة تعطيل النمو العربي الإسلامي تجاه قضاياه عن طريق التفاوض مع شخصيات هزيلة من الطرف العربي ليس لها أي ثقل لا عالمياً ولا شعبياً من خلالها يتم التجهيز والاستيطان والتهويد والمفاوض العربي أُعد خصيصاً لهذا الغرض حتى أصبح تابعاً لهم وحريصاً على إرضائهم ويوهم الشعوب الإسلامية والعربية بأن المفاوضات لا سبيل غيرها والمعاهدات هي طوق النجاة والتعايش السلمي مع محتل الأرض هو أسمى الأماني!!!

إذاً ما تستنزفه إسرائيل وأمريكا من الوقت في المفاوضات ما هو إلا المخدر الذي يتجرعه المفاوض العربي حتى يتم الاستيطان بالكامل ويصبح المشروع الصهيوني شعبا مستوطنا يحميه ويدافع عن مقدساته، أما المفاوض العربي فهو إما أخذ الثمن مقدماً أو أنه نال شرف المفاوض المسالم الذي يجنح للسلم كلما صُفع على خده الأيمن.

والجدير بالذكر في هذا الصدد أن مصادر عبرية كشفت أن القيادة الدينية والسياسية في المؤسسة الإسرائيلية ستشارك في افتتاح ما يسمى "بكنيس الخراب" الذي يجري بناؤه في حارة الشرف وهو أكبر وأعلى كنيس يهودي يبنى في البلدة القديمة بالقدس وذلك على بعد عشرات الأمتار من المسجد الأقصى، كما أشارت مؤسسة الأقصى أن هناك بياناً على موقع إليكتروني عبري تابع للجماعات اليهودية وضع إعلاناً تحريضياً يدعو إلى اقتحام الأقصى بمناسبة عيد عندهم يسمى عيد "البوريم" يومي الأحد والاثنين القادمين.

وكشفت مصادر عبرية أن القيادة الدينية والسياسية ستشارك في افتتاح هذا الكنيس وفقاً "لنبوءات" يهودية تعتبر أن اليوم التالي لافتتاح كنيس الخراب سيكون هو يوم الإعلان عن البدء ببناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى.

المشكلة لا تكمن هنا ، فالصراع لن ينتهي إلا بلقاء اليوم المعلوم، والمفاوضات لن تنتهي طالما نحن العرب خارج مضمون الصراع، وما نقدمه من تنازلات صار أمراً تعول عليه كل من إسرائيل وأمريكا، ومازلنا ننظر إلى أمريكا على أنها الوسيط النزيه في الصراع العربي الإسرائيلي.

نحن بهذا نضع أعناقنا في فم الأسد ظناً منا أنه لا أنياب له، رغم أن الأنياب بارزة وواضحة وضوح الشمس في كبد السماء، فلنجرب هذه المرة وضع أوراقنا بيد أمريكا التي لا تكل ولا تمل عبر كل الأجيال منذ إنشائها أن أمن إسرائيل أمر ملزم لها وأنها لن تتنازل في حق إسرائيل في السيادة والبقاء.

 لا أدري أمن إسرائيل من من وفرض سيادتها على من إذا كانت كما يتصور قادتنا هي الوسيط النزيه في حل صراعنا مع إسرائيل.

أظن أن الأمر يحتاج من صناع القرار ورجال الدين في العالم العربي والإسلامي إلى إدراك السيناريو الحالي والقادم وألا ننشغل بأمور ساذجة ونلغي أمورا تبدو ثانوية وهي بؤر الصراع.